من أي زمرة أنت؟ 6
زمرة الدعاة إلى الله
من أعظم الزمر يوم القيامة بل هي تأتي بعد النبيين والصديقين زمرة الدعاة إلى الله عز وجل. (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) فصلت) هذا هو الشرط: إنني من المسلمين فقط ليس له عنوان آخر (هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ (78) الحج) ليس هناك عنوان فئوي ولا طائفي ولا حزبي ولا مذهبي ولا يكون هذا داعية أبداً وإنما مفرِّق جماعة وباعث ضغينة وهذا هو واقع الحال. إذا كنت تدعو إلى الله تعالى بعد أن تعلمت العلم وويكون الداعية إلا عالماً أو متعلماً، فإذا كان له عنوان فئوي أو طائفي أو مذهبي أو حزبي فقد أفسد وهذا ما نشهده اليوم وشهده الناريخ وسالت به دماء المسلمين أنهاراً وما سالت إلا بدعاة الفتنة من طائفيين ومذهبيين وحزبيين وفئويين.
(وقال إنني من المسلمين) هذا هو الشرط لتكون داعية من الزمرة الأولى من زمر المسلمين الذين يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر. من العجيب أن هذا الداعية لا يتوقف على كثرة العِلأم وليس شرطاً أن يكون بحراً من بحار العلم وإنما قد يكفي أن تكون تعلمت كلمات معدودة لكي تفلح في إصلاح مدينة كما فعل صهيب بن عمير الذي سبق المسلمين إلى المدينة بعباءته المهلهلة وبآيات قليلة وأحدايث معدودة ينشر الإسلام في المدينة المنورة وأقيمت صلاة الجمعة في المدينة بسبب من دعوة صهيب قبل أن تقام في مكة ورسول الله r فيها. هكذا هم الدعاة الذين لا يفرّقون بين المسلمين، لا فرق بين مسلم ومسلم يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله، يشملون الجميع بعطفهم ورعايتهم وشفقتهم يحبون كل المسلمين ما داموا يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله وشعارهم (وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (10) الحشرَ) هؤلاء الدعاة. لا يهم كثرة العلم للداعية ولكن يهم أخلاق العلم، أن لا ترى نفسك خيراً من الناس ولا تحتقر مذنباً ولا تعنّف إذا وعظت ولا تنفِّر وإنما تبشر الذين آمنوا كما أمرك الله عز وجل ولا تعسِّر وإنما تيسّر. بهذه النصائح والأخلاقيات التي هي أخلاقيات الإسلام في الدعوة أن تكون هاشّاً باشّاً ميسّراً لا معسِّراً تنفع المسلمين نفعاً لا ينفعه كبار العلماء الذين ملئوا علماً ولكن لا يملكون أخلاقية واحدة من أخلاقيات العِلم. نعوذ بالله من هؤلاء ونسأله أن يجعلنا من الدعاة الذين لا يفرقون بين مسلم ومسلم.
زمرة المهجَّرين
زمرة المهجرين تختلف عن زمرة المهاجرين، فهناك من هاجر إلى الله ورسوله فذلك وقع أجره على الله (وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (100) النساء) ذاك الذي يهاجر فراراً من الفتنة والابتلاء باختياره ليلحق بركب الإيمان (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا (97) النساء) وقد إنقطعت هذه الهجرة بعد الفتح كما قال r: " لاهجرة بعد الفتح". إذا إنتهت الهجرة بعد الفتح فإن التهجير القسري بقي في المسلمين من أول الإسلام إلى هذا اليوم وقد يبقى كذلك إلى يوم القيامة. (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الحج) هذا الذي يجري هذا اليوم يُهجَّر المسلمون لحزبية أو لفئوية أو لطائفية أو لمذهبية تهدم بيوتهم وتحرق مساجدهم وتتلف مصاحفهم كل هذا على مرأى ومسمع من العالم من غير نُكر من أحد. هذا التهجير القسري الذي ابتلي المسلمون به في كل عصر من عصورهم وما خلا عصر من العصور من اضطهاد فئة أو طائفة أو مذهب الاختلاف في فكرة يمكن الإختلاف فيها أو الاختلاف على قضية لها ألف وجه، هذا العبث التاريخي وهذا الخبل الإنساني وهذا السَفَه العقلي الذي فتك بالمسلمين فتكاً على امتداد تاريخهم حتى سالت دماء المسلمين أنهاراً ولا تزال تسيل والله أعلم إلى أن ينتهي هذا؟
هذا من بلاء الله عز وجل (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) العنكبوت) إذا أراد الله بقوم سوءاً ملأ قلوبهم غيظاً على مسلم يشهد أن لا إلع إلا الله وأن محمداً رسول الله. الإختلاف في قضية يمكن الاختلاف فيها ويمكن تذليلها، هذا القتل الذي يُخلِّد في النار كما قال تعالى (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93) النساء). هناك فرق بين قتل النفس على قضية من قضايا الدنيا (النفس بالنفس والسيف محّاءٌ للخطايا). أما أن تقتله على عقيدته التي تُنكر منها ما تنكر من غير أن يحق لك أن تحقق هذا العذاب الصارم فأنت حينئذ خالدٌ في النار فما دمت كفّرته فأنت الكافر.
هؤلاء هم المهجرون في كل التاريخ الإسلامي ومن عجب أن هذا التاريخ المعاصر الذي نعيش فيه الآن على مرأى ومسمع من العالم وفضائيات الدنيا استشرى استشراء بلا حياء ولا خجل وقد لطّخ المسلمون بالعار وأصبح المسلمين مثالاً للهمجية والفوضى. هنيئاً لمن هُجِّر وقُتِل والخزي لمن هجَّر وقَتَل إلى يوم القيامة ويوم القيامة سيدرك أصحاب الحق أن الحق كان بعيداً عنهم وأن الشيطان لعب بهم لعباً وهم وقود النار. نعوذ بالله من كل من يريق قطرة دم مسلم على حجة من الحجج التي لا تقوم على شيء.
زمرة الأبرار
زمرة الأبرار هذه زمرة يتمناها كل مسلم كما قال تعالى (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193) آل عمران) (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6) الإنسان). الأبرار هم الزاهدون في هذه الدنيا الذين لا يرون الدنيا إلا لقمة تسد جوعتهم وهِدمة تستر عورتهم فإن كان لهم سقف يُظلهم فبخٍ بخٍ وتركوا كل ما عدا ذلك وراءهم كما روى عمار بن ياسر عن رسول الله r قال: " ما تزيّن الأبرار بشيء بمثل الزُهد في الدنيا"، فالزاهدزن في الدنيا هم الأبرار هذه الزمرة العظيمة المكرمة ذات الشأن الرفيع يوم القيامة الذين إشتروا الآخرة وباعوا دنياهم. وحينئذ يلقاهم الله عز وجل على منابر من نور.
يقول ٍ كما روى فُضالة ابن عبيد " طوبى لمن هُديَ للإسلام وكان عيشه كفافاً وقنِع". تقول السيدة عائشة رضي الله عنها : ما شبع النبي r يوماً من أكلة وما رُفِع من أمامه مائدة فيها فضل (لأن المائدة التي كان r يأكل منها لا تحتوي إلا على لقيمات قليلة لا تكفي ولا تُشبِع لذا لا يمكن أن يكون فيها فضل) وما جمع r لونين على مائدة ولو شاء لشبع، ولكن هكذا هو فعل الأبرار والنبي r سيد الأبرار وسيد الخلق كلهم وهو قدوتهم ومثلهم. من أجل هذا إن الزهد في الدنيا هو الفيصل يوم القيامة " أكثركم شبعاً في الدنيا أكثركم جوعاً في الآخرة والعكس بالعكس" فإذا أردت أن تكون من الأغنياء يوم القيامة فلا ينبغي أن تكون من الأغنياء في الدنيا كما في الحديث " إن المكثرين هم الهالكون" من حيث أن الغنى له الآثار في المأكل والمشرب والملبس والمسكن وعلاقته بالآخرين وتكوين نفسيته ما يحيق به الخطر من كل مكان. من أجل هذا ذو العيال المُقِلّ والذي يموت وحاجته في صدره والذي لا يستطيع أن يُشبِع عياله ولا أن يكفيهم وهو عفيف متعفف كما ذكرنا في أهل الجنة وملوكها عفيف متعفف ذو عيال زاهد في الدنيا لا يضره ولا يغرّه أن يبيت بلا عشاء. هؤلاء هم الأبرار وهم الأولياء الصالحون يوم القيامة الذين تفتح لهم البلدان ويسيتقى بهم الغمام وتُسدّ بهم الثغور وهم أهل الكرامات الصالحون الذين ابتلوا هذا العصر بالطعن عليهم وهذا من بلية هذا العصر. ونسأله أن يجعلنا وإياكم من الأبرار الصالحين الذين يزهدون في الدنيا وهذا لا يناله إلا من أراد الله تعالى له الخير.